حسن حسن زاده آملى

616

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

بارقة إلهية : قد أشرنا آنفا في هذه العين حول ما أفاده صاحب فصوص الحكم إلى أن صاحب الامر أعلى مقاما من صاحب الهمّة ووعدنا بيانه ، فنقول الآن في بيانه : إن للإنشاء النفساني مراتب : إنشاء بالتوجّه ، وإنشاء بالهمة ، وإنشاء بالأمر . فالأولى منها هو امر عام شامل لكل انسان ان لم يكن مخدج الخلقة وناقص المزاج ؛ والثانية منها تختصّ بالعارف باللّه الذي رزق العزم والهمّة بالمجاهدات النفسانية ؛ والثالثة منها تختص بالنفس المكتفية ؛ فأراد صاحب الفصوص في الإسحاقي منه الأولى بقوله : « بالوهم يخلق كل انسان في قوة خياله مالا وجود له إلا فيها وهذا هو الأمر العام » . وقال القيصري في شرح هذا الكلام : « إنّه بسبب توجه النفس بالقوة الوهمية إلى ايجاد صورة من الصور كمن يتخيّل صورة محبوبه الغائب عنه تخيلا قويا تظهر صورته في خياله فيشاهده ، وهذا امر عام يقدر على ذلك العارف بالحقائق وغيره من العوام » . وأقول : التوجه المصطلح عند أرباب السلوك في بادي أمرهم على هيأة خاصّة وآداب معهودة عندهم لتقوية الخيال ، مأخوذ من التوجه بهذا المعنى وناظر اليه ، فتبصّر . ثم أراد الشيخ الأكبر بعد عبارته المذكورة الثانية بقوله : « والعارف يخلق بهمّته ما يكون له وجود من خارج محلّ الهمّة ولكن لا تزال الهمة تحفظه ولا يؤدها حفظه الخ » . أقول : الهمّة هي في الحقيقة خروج النفس من التفرّق والتشويش إلى تجمّعها وتوحّدها ؛ فان التفرق موجب الوهن ، والتجمع سبب القوة ؛ فمتى راض العارف السالك نفسه بخروجها عن موجبات الضعف يصير صاحب عزم وهمة يخلق بها بقوته الروحانية صورا خارجة عن الخيال موجودة في الأعيان الخارجية في عالم الشهادة قائمة بنفسها كباقي الموجودات العينية ، كما يخلق بها الصور الغيبية أيضا كالصور الروحانية التي يخلقها فيدخل بها في عالم الأرواح والعقول اي تصير عقلا بالفعل . فصاحب الهمّة هذه ليس له نفس مكتفية ، فافهم . وأراد الشيخ الثالثة في الفصّ السليماني بقوله : « واما التسخير الّذي اختص به سليمان - عليه السلام - وفضّل به على غيره وجعله اللّه له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده فهو كونه عن امره فقال فسخّرنا له الريح تجري بأمره فما هو تسخيرا فإن اللّه يقول في حقّنا من غير تخصيص : وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، وقد ذكر تسخير الرياح والنجوم وغير ذلك ولكن لا عن أمرنا ؛ بل عن امر اللّه ؛ فما اختص سليمان إن عقلت إلا بالأمر من غير جمعيّة ولا همّة ؛ بل بمجرد الأمر . وانما قلنا ذلك لأنّا